دعاء ٣

الحلقة الثانية والعشرون
انتهى حفل الزفاف و غادر أدهم و شقيقته عائدين الى القاهرة، بينما حمد أخذ عروسه الى شقته بالطابق الثالث بالدوار و دلف بها الشقة و هو يسمي بسم الله ثم أغلق الباب في وجه حماته التي كانت تصر على الدلوف مع ابنتها..

وقفت صافية في منتصف الصالة و هي تطأطئ رأسها بخجل فخلع حمد جلبابه و ألقى به على أقرب كرسي ثم وقف قبالتها و رفع رأسها لمستوى وجهه يتأملها باعجاب فقد كانت جميلة حقا..
ـــ هتفضلي باصة للأرض كتير؟!
أخذت تحرك عينيها في كل اتجاه عداه غير قادرة على النظر بعينيه من فرط الخجل.
ـــ بصيلي يا صافية..
بالكاد نظرت في عينيه فابتسم باعجاب من فرط خجلها فابتسمت هي أيضاً حتى ظهرت غمازتها اليمنى.
ـــ تعالي ندخل قوضتنا نغير هدومنا..
هزت رأسها بايجاب ثم قبض على كفها البارد و دلفا سويا لغرفة النوم..
ـــ هتعرفي تقلعي الطرحة و الحجاب ولا أساعدك؟!
هزت رأسها و لم تتكلم، فزفر بملل ثم قال بحدة طفيفة:
ـــ أنا لحد دلوقتي مسمعتش صوتك… انا قربت أنساه اصلا.
جعدت ملامحها بضيق:
ـــ باه!..اجول ايه عاد؟!
رد بنفاذ صبر و هو يدير ظهرها نحوه:
ـــ ولا حاجة.. لفي..
أخذ ينزع دبابيس الطرحة و الحجاب واحدا تلو الآخر ثم أزال الحجاب حتى بدى لها شعرها الأسود الغجري، فقام بفك عقدته حتى انسدل على ظهرها و وصل الى آخره فحانت منه نصف ابتسامة اعجابا به ثم سألها بنبرة هادئة:
ـــ أفتحلك السوستة ولا هتعرفي تفتحيها؟!
ردت بغباء:
ـــ أمي جالتلي خلي عريسك يفتحلك سوستة الفستان.
اصتك فكيه بغيظ ثم دون أن يتفوه بشئ قام بازاحة شعرها جانبا و فتح السحاب ثم تركها و اتجه نحو الخزانة استخرج ملابس للنوم ثم قال بضيق:
ـــ أنا هطلع برا اخد شاور و اغير هدومي على ما تكوني غيرتي انتي كمان.
لم ينتظر ردها، فهي لم تكن لترد من الأساس ثم خرج من الغرفة صافعا الباب خلفه.
بعد حوالي نصف ساعة عاد اليها مرتديا بنطال و تيشيرت منزلي فوجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية قميص أبيض من الستان يعلوه روب أبيض من نفس الخامة و شعرها منسدلا على ظهرها و كتفيها، فابتسم بسخرية حين ورد على عقله أن بالتأكيد أمها من قالت لها ترتدي ذلك الرداء.
تقدم منها حتى جلس بجوارها ثم سألها بجدية:
ـــ انتي عارفة احنا المفروض نعمل ايه دلوقتي؟
هزت رأسها بنفي، فتنهد بنفاذ صبر:
ـــ قومي نبدأ حياتنا بالصلاة و نتعشى و بعد كدا ربنا يفرجها.
نهضت معه ثم ارتدت اسدال الصلاة و صلى بها المغرب و العشاء جماعة ثم قامت بتجهيز الطعام و تناولا بعض لقيمات صغيرة في جو من الصمت التام.
انتهيا من الطعام ثم دلف حمد الغرفة فلحقت به، وجدته يقف أمام المرآة يمشط شعره فوقفت خلفه تفرك كفيها بتوتر و خجل، فالبطبع رأى حالتها تلك عبر المرآة فاستدار لها يتأمل خجلها قليلا، ثم مد يديه الى كتفيها يزيح كمي الروب عنهما فأبعدت كفيه و هي تغطي نفسها و تقول بغضب:
ـــ باه… عتعمل ايه عاد؟!
رد عليها بسماجة:
ـــ ايه؟!.. اومال انتي لابسة كدا ليه؟!
أجابته بعفوية:
ـــ أمي جالتلي البس الجميص الابيض ليلة الدخلة.
ضحك حمد بملئ فمه فلم يخطئ حدسه، فعاد يمسك يديها التي تغطي بهما مقدمة صدرها و أنزلهما الى جانبيها ثم أزاح الروب عن كتفيها مرة أخرى حتى أسقطه على الأرض، فهاله ما رأى من جمال بشرتها البيضاء الناعمة نعومة الأطفال و أخذ يبتلع ريقه و هو يتحسس بشرة كتفيها بأصابعه و يقول بنبرة مثيرة:
ـــ و أمك مقالتلكيش اني هخلعك الروب؟
أطرقت رأسها بخجل من لمسته و نبرته التائهة و هي تهز رأسها بايجاب، فابتسم بسخرية ثم لف ذراعيه حول خصرها يضمها الى جسده قليلا و سألها و مازال عينيه تتأمل بشغف ما يظهر من قميصها:
ـــ و قالتلك هعمل ايه تاني؟!
انسحبت بغتة من أمامه تاركة يديه معلقة في الهواء ثم اتجهت نحو خزانة ملابسها استخرجت منها قطعة قماش ناصعة البياض ثم عادت له تمد يدها اليه بتلك القماشة و هي تقول بعفوية كعادتها:
ـــ جالتلي ألافيك الجماشة دي لاچل ماتشوفها في الصباحية و ابويا قمان عيشوفها لأچل ما يطمن عليا.
تجمد جسد حمد و كأنها سكبت على رأسه دلوا من الجليد، هل مازالت أمور الجهل هذه يهتمون بها؟!
أثارت تلك الجملة غضبه البالغ و أخرجته من الحالة الرومانسية التي قد دخل بها، فالتقط منها قطعة القماش ثم ألقاها بعنف في سلة المهملات و هو يصيح بغضب بالغ:
ـــ طاب و الله ما أنا عامل حاجة و ابقي وريني أمك هتعمل ايه؟!
انكمشت صافية على نفسها خوفا من غضبه التي لم تستطع فهم سببه، فعاد ينظر اليها بشر و هو يقبض على رسغها بقسوة و يصيح بانفعال بالغ:
ـــ انتي عارفة لو اسمعك تقوليلي أمي جالتلي دي تاني هعمل فيكي ايه؟!… حسك عينك تحكيلها على أي حاجة بتحصل بينا انتي فاهمة؟!
ردت بخوف و هي تضع كفها أمام وجهها متخذة منه درعا واقيا:
ـــ كيف يعني؟!.. أني معملش حاچة واصل من غير مشورة أمي.. لازمن توعيني و تعلمني..
غلى الـ,ـدم في عروقه أكثر، فكل كلمة تتفوه بها تنم عن جهلها و غبائها ما يثير عصبيته و غضبه، فأخذ يصتك فكيه من الغضب و هو يصرخ بها:
ـــ قسما عظما ان نطقتي معاها بحرف لتكوني طالق يا صافية… انتي فاهمة الكلام اللي انا بقوله ولا اروح اجبلك امك تفهمك؟!
ردت بنبرة باكية:
ـــ مخبراش… مفهماش.
ترك رسغها و جذبها من شعرها لترتفع رأسها لأعلى لااراديا فصرخت بألم ليقول بوعيد:
ـــ لو عايزة ترجعي لأمك في يوم صباحيتك ابقي اعمليها و احكيلها احنا عملنا ايه في ليلة دخلتنا… دي هتبقى ليلة طين على دماغك.
ألقى بوعيده ثم دفعها بعيدا عنه لتسقط على الأرض و هي تبكي، فاسترسل زئيره الغاضب:
ـــ أنا هنا بس اللي تسمعي كلمتي… أنا اللي اقول تعملي ايه و متعمليش ايه…محدش غيري هيعلمك و يوعيكي.. أنا عايزك تمحي أمك دي من قاموس حياتك.. دا لو عايزة تعيشي زي مخاليق ربنا و تبقي بني ادمة… انتي فاهمة ولا أعيد تاني؟!
أخذت تهز رأسها بايجاب و هي تبكي منكسة الرأس و شعرها الطويل يححب عنه وجهها الباكي، فأشفق عليها حمد و شعر بالغضب من نفسه أن قسى عليها لتلك الدرجة، و لكن هي من استفزته لتنقلب ليلتها الأولى إلى نواح و بكاء.
ألقى عليها نظرة أخيرة مترددا أيحملها و يضعها على الفراش أم يتركها ولا يعيرها اهتماما؟!… و لكنه لم يطع قلبه الذي حثه على أخذها بين أحضانه و الاعتذار اليها، فلم يكن ذنبها أنها بريئة و نقية لتحولها أمها الى آلة تحركها كيفما شاءت، ثم ذهب من أمامها تاركا الغرفة صافعا بابها خلفه و اتجه الى غرفة أخرى ليقضي ما تبقى من ليلته بها.
وصل أدهم بشقيقته الى المنزل في ساعة متأخرة من الليل و بمجرد دخولهما اتجه مباشرة الى غرفة ندى، فاستوقفته ريم منادية عليه، فنظر لها باستفهام فقالت بجدية:
ـــ البس الكمامة قبل ما تدخل… و بلاش تنام جنبها.. معلش استحمل الاسبوعين دول كفاية علينا ندى… مش هتكون انت و هي عيانين و نايمين في السرير.
هز رأسه بموافقة و هو يزفر أنفاسه بضيق ثم دلف غرفته بدل ملابسه بسرعة و ارتدى كمامة ثم ذهب لغرفتها مرة أخرى..
دلف الغرفة ليجدها مستغرقة في النوم و لكنها تتنفس بسرعة نوعا ما كأنها تركض، الأمر الذي أقلقه للغاية..
جلس على حافة الفراش بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها عن جبينها ليتحسس حرارتها فوجدها طبيعية الى حد ما…
ـــ ندى.. ندى..
همهمت بكلمات غير مفهومة ليبتسم و هو يقول:
ـــ عاملة ايه يا حبيبتي؟!
هزت رأسها و مازالت مغمضة العينين لترد بصوت ناعس:
ـــ الحمد لله.
ـــ طاب بتنهجي كدا ليه؟!
فتحت عينيها و هي مقطبة الجبين و أخذت تتأمله و كأنها تحاول تذكره الى أن انتبهت أخيراً، فابتعدت عنه لآخر الفراش و هي تقول:
ـــ يا أدهم حرام عليك هتتعدي مني..
زم شفتيه بغضب مصطنع:
ـــ هي دي حمد الله ع السلامة اللي بتقوليهالي؟!
تنهدت بضيق ثم قالت بجدية:
ـــ انا طبعاً مش قصدي كدا… بس انا خايفة عليك بجد…يعني ينفع احنا الاتنين نكون تعبانين؟!
جذبها عنوة حتى التصقت به غير مكترثا بكلامها ليقول بنبرة هائمة:
ـــ يا ريت أتعب انا كمان عشان أنام جنبك و مفضلش بعيد عنك كدا… يعني مش كفاية الاسبوعين اللي فاتو؟!.. عايزة تحرميني منك كمان اسبوعين؟!
كانت تستمع اليه و هي تنظر له مشدوهة الملامح… ماذا تعني كلماته تلك اذن؟!…هل تعتبر هذا تصريحا منه عن وقوعه بحبها؟!..
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهزوزة من فرط الارتباك:
ـــ متقولش كدا.. و انا مش هفرح بنومتك جنبي و انت تعبان.
اغمض جفنيه يحاول السيطرة على مشاعره التي تطالبه بتقبيلها و لكنه جذبها الى حـ,ـضنه لعله يهدأ قليلا بينما ندى كانت تقاومه لألا تصيبه العدوى و لكنه أبى أن يتركها فاستسلمت بقلة حيلة حتى أنها أحست بنبضات قلبه التي كانت تضرب صدره كالمطرقة، و حين أحس بأن اشتياقه لها يزيد ابتعد عنها بغتة ثم قال و هو يبتسم نصف ابتسامة متنهدا بعمق:
ـــ كملي نومك بقى.. تصبحي على خير.
تركها بحالة هائمة سلبت النوم من عينيها و ذهب الى غرفته ثم أخذ حماما باردا و تقلب بفراش حتى نام بعد معاناة.
تمدد حمد بالفراش و هو يشعر بالذنب تجاهها، تقلب بالفراش لمدة طويلة و شيطانه على رأسه يلح عليه بعدم الذهاب اليها، و بعد عدة محاولات غفى أخيرا دون أن يشعر…
استيقظ من غفوته على صوت أذان الفجر فنهض يمسح وجهه من أثر النوم و هو يردد الأذان ثم حسم أمره ليتفقدها و يطمئن عليها بعدما نامت باكية..
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة على الأرض بمكانها كما تركها، فأخذ يؤنب نفسه ثم تقدم منها لينحني يحملها بخفة ثم وضعها بمنتصف الفراش و جلس بجوارها..
أعاد خصلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب الـ,ـدموع ثم أخذ يمسد على شعرها بحنو و هو يتأملها بشغف، فلولا عفويتها الزائدة تلك لما انقلبت تلك الليلة لجحيم هكذا.
انحنى يقبل وجنتها و هو يتمتم بهمس:
ـــ أنا آسف.. حقك عليا.
تنهد بعمق ثم دثرها بغطاء خفيف و نهض خارجا من الغرفة متجها نحو المرحاض ليتوضأ و يصلي الفجر.
عند تمام التاسعة صباحا ارتدى معتصم بنطال چينز و قميص يعلوه چاكت و انتعل حذائه و التقط هاتفه و مفاتيح سيارته ثم صعد الى شقة حمد بالطابق الذي يعلوه و رن جرس الباب عدة مرات حتى فتح له شقيقه و تبدو آثار النوم على وجهه..
ـــ صباحية مباركة يا عريس…
احتضنه و هو يضحك:
ـــ حد يصحي عريس يوم صباحيته الساعة تسعة الصبح يا راجل.
ضحك معتصم ثم ابتعد عنه و هو يقول:
ـــ معلش بقى انا عارف اني رخم..
افسح له حمد لكي يدخل و لكنه رفض قائلا بجدية:
ـــ لا أنا مش داخل..

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *